فخر الدين الرازي

39

تفسير الرازي

الباقون بضم الطاء منوناً ، وروي عن أبي عمرو . طوى بكسر الطاء ، وطوى مثل ثنى ، وهما اسمان للشيء المثنى ، والطي بمعنى الثني ، أي ثنيت في البركة والتقديس ، قال القراء : * ( طوى ) * واد بين المدينة ومصر ، فمن صرفه قال : هو ذكر سمينا به ذكراً ، ومن لم يصرفه جعله معدولاً عن جهته كعمر وزفر ، ثم قال : والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيراً ، أي لم أجد اسماً من الواو والياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير * ( طوى ) * . المسألة الخامسة : تقدير الآية : إذ ناداه ربه وقال اذهب إلى فرعون ، وفي قراءة عبد الله أن اذهب ، لأن في النداء معنى القول . وأما أن ذلك النداء كان بإسماع الكلام القديم ، أو بإسماع الحرف والصوت ، وإن كان على هذا الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام الله . فكل ذلك قد تقدم في سورة طه . المسألة السادسة : أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى في أول ما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة ، كقوله في سورة طه : * ( نودي يا موسى إني أنا ربك ) * إلى قوله : * ( لنريك من آياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى ) * ( طه : 24 , 23 ) فدل ذلك على أن قوله ههنا : * ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) * من جملة ما ناداه به ربه ، لا أنه كل ما ناداه به ، وأيضاً ليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى فرعون فقط ، بل إلى كل من كان في ذلك الطرف ، إلا أنه خصه بالذكر ، لأن دعوته جارية مجرى دعوة كل ذلك القوم . المسألة السابعة : الطغيان مجاوزة الحد ، ثم إنه تعالى لم يبين أنه تعدى في أي شيء ، فلهذا قال بعض المفسرين : معناه أنه تكبر على الله وكفر به ، وقال آخرون : إنه طغى على بني إسرائيل ، والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به ، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم ، وكما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق ومع الخلق ، فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق ومع الخلق . واعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما : * ( فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ) * . فالأول : قول تعالى : * ( فقل هل لك إلى أن تزكى ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا ، كما تقول : هل ترغب فيه ، وهل ترغب إليه ، قال الواحدي : المبتدأ محذوف في اللفظ مراد في المعنى ، والتقدير : هل لك إلى تزكى حاجة أو إربه ، قال الشاعر : فهل لكم فيها إلي فإنني * بصير بما أعيا النطاسي حذيما ويحتمل أن يكون التقدير : هل لك سبيل إلى أن تزكى .